سعر الأونصة: 12,298.28 ريال سعودي ▼ 0.00% | سعر سبيكة الذهب 100 جرام: 39,539.84 ريال سعودي ▼ 0.00% | سعر جنيه الذهب: 3,163.19 ريال سعودي ▼ 0.00% | سعر جرام الذهب عيار 24: 395.40 ريال سعودي ▼ 0.00% | سعر جرام الذهب عيار 21: 345.97 ريال سعودي ▼ 0.00% | سعر جرام الذهب عيار 21: 345.97 ريال سعودي ▼ 0.00% |
تخطى إلى المحتوى

تعدين الذهب في السعودية: التاريخ والمناجم والإنتاج

  • بواسطة
تعدين الذهب

المناجم الحديثة ذات التقنيات المتطورة، بات تعدين الذهب ركيزة مهمة في تنويع الاقتصاد السعودي ضمن رؤية 2030.

نستعرض في هذا المقال تاريخ تعدين الذهب في المملكة، وأهم المناجم النشطة ومواقعها وإنتاجها، ودور شركة معادن والجهات الحكومية في تطوير القطاع، بالإضافة إلى أحدث إحصائيات الإنتاج ومساهمة الاقتصاد السعودي والذهب في الناتج المحلي، وأخيرًا التحديات البيئية والتقنية التي تواجه صناعة التعدين الذهبي في السعودية.

لمحة تاريخية عن تعدين الذهب في السعودية

عرفت شبه الجزيرة العربية استخراج الذهب منذ عصور قديمة، إذ تشير الأدلة الأثرية إلى نشاط تعدين في موقع مهد الذهب يعود لما يقارب 1000 عام قبل الميلاد. وقد استُغلَّ المنجم خلال عهد النبي محمد ﷺ وبعده؛ وتذكر المصادر أن مجموع ما أُنتج من ذهب من مهد الذهب بلغ نحو 40 طنًا في العصر العباسي.

مع تأسيس المملكة الحديثة، أولى الملك عبدالعزيز (طيب الله ثراه) اهتمامًا بالثروات المعدنية. ففي عام 1931م كلّف الجيولوجي الأمريكي كارل تويتشل بالبحث عن المعادن قرب المدينة المنورة، حيث أعاد اكتشاف مناجم ذهب قديمة含. مُنحت أول رخصة تعدين للذهب عام 1935م، وبدأت أولى عمليات التعدين الحديثة في منجم مهد الذهب عام 1939م. بين عامي 1939 و1954 استُخرج الذهب من مهد الذهب بكميات تجارية، كما تم تشغيل منجم ظلم قرب الطائف خلال الفترة 1952-1954م.

بعد ذلك شهد القطاع توقفًا حتى الثمانينات، تخللته جهود استكشاف جيولوجية حكومية شملت رسم خرائط جيولوجية ومسوح جوفية وإنشاء مكاتب متخصصة. في عام 1983م أُعيد افتتاح منجم مهد الذهب بدعم حكومي إيذانًا ببدء فترة التعدين الحديثة الثانية، وبدأ الإنتاج التجاري فيه عام 1988م. وفي عام 1997م تأسست شركة التعدين العربية السعودية (معادن) كشركة سعودية مساهمة برأس مال 4 مليارات ريال، لتتولى قيادة تطوير الثروة المعدنية في البلاد. وقد انطلقت معادن بأعمالها من منجم مهد الذهب بعد تسلّمها إدارته، واضعةً نصب عينها جعل قطاع التعدين الركيزة الثالثة للصناعة السعودية بعد النفط والبتروكيماويات.

أبرز مناجم الذهب في المملكة العربية السعودية

تزخر السعودية اليوم بعدد من مناجم الذهب النشطة التي تنتشر أغلبها ضمن نطاق الدرع العربي الغني بالمعادن غربي ووسط البلاد. تشرف شركة معادن – عبر ذراعها للذهب والمعادن النفيسة – على تشغيل معظم هذه المناجم. فيما يلي نظرة على أهم تلك المناجم ومواقعها وتواريخ تشغيلها وطاقة إنتاجها:

  • منجم مهد الذهب: يقع في محافظة مهد الذهب بمنطقة المدينة المنورة، وهو أقدم وأشهر منجم ذهب في المملكة. يعود تاريخ التعدين فيه إلى آلاف السنين كما أسلفنا، أما الإنتاج الحديث فبدأ عام 1408هـ/1988م. المنجم عبارة عن منجم تحت سطح الأرض يحتوي على شبكة أنفاق تمتد لأكثر من 60 كم بعمق يصل إلى 300 متر. يستخرج المنجم حوالي 185 ألف طن من الخام سنويًا بمتوسط تركيز ذهبي يقارب 10 غرامات لكل طن. إلى جانب الذهب يستخلص المنجم معادن الفضة والنحاس والزنك كمنتجات ثانوية. في عام 2007م أنتج مهد الذهب نحو 85,257 أونصة ذهب و116,170 أونصة فضة بالإضافة إلى 737 طنًا من النحاس و800 طن من الزنك. أما في عام 2020م فقد بلغ إنتاجه حوالي 28,928 أوقية من الذهب. ورغم تراجع إنتاجه مقارنة بالمناجم الأحدث، يبقى منجم مهد الذهب رمزًا تاريخيًا ورافدًا مستمرًا للإنتاج الذهبي السعودي.
  • منجم الدويحي: يقع في منطقة مكة المكرمة على بُعد 120 كم جنوب شرق محافظة الخرمة. اكتشف المنجم خلال أعمال المسح في مطلع الألفية، ويعد اليوم أكبر منجم ذهب في السعودية من حيث الإنتاج. بدأ التشغيل التجاري فيه حديثًا عام 1437هـ/2016م، وتم افتتاحه رسميًا في 2017م. المنجم سطحي (منجم مكشوف) يمتد على مساحة 1 كم² تقريبًا، وتبلغ طاقته التصنيعية معالجة نحو 2 مليون طن من الخام سنويًا. يُنتج منجم الدويحي حوالي 180 ألف أوقية ذهب سنويًا في المتوسط، وقد بلغ إنتاجه في عام 2020 نحو 248,998 أوقية مما يجعله الأكبر على الإطلاق. يحتوي الموقع على مصنع لمعالجة الخام بتقنية كربون في اللب (CIL) لاستخلاص الذهب. الجدير بالذكر أن معادن استثمرت حوالي 1.5 مليار ريال في تطوير المنجم والبنية الأساسية له، بما في ذلك مد خط أنابيب بطول 450 كم لجلب مياه الصرف الصحي المعالَجة من مدينة الطائف لاستخدامها في عمليات الاستخلاص الصناعي – وهي خطوة مهمة لضمان إمدادات مياه مستدامة في منطقة صحراوية. يسهم المنجم كذلك في تنمية المنطقة من خلال توفير مئات الوظائف لأبناء المحافظات المجاورة.
  • منجم الصخيبرات: يقع في منطقة القصيم على بعد ~250 كم شمال مهد الذهب. بدأ تشغيله في التسعينات الميلادية، وهو منجم سطحي يضم مصنعًا للغسيل بالكربون والترشيح. يعمل منجم الصخيبرات بتناغم مع منجم بلغة المجاور؛ إذ تُنقل بعض الخامات بين الموقعين وفق درجة تركيزها لتحقيق كفاءة أعلى في المعالجة. تبلغ الطاقة الإنتاجية لمنجم الصخيبرات نحو 600 ألف طن من الخام سنويًا، وينتج الذهب على شكل سبائك بعد معالجته. في عام 2007م بلغ إنتاج الصخيبرات حوالي 25 ألف أونصة ذهب و3,259 أونصة فضة. وفي عام 2020م قدّرت مساهمة منجمي الصخيبرات وبلغة معًا بنحو 78,524 أوقية من الذهب.
  • منجم بلغة: يقع في منطقة المدينة المنورة على مسافة 65 كم تقريبًا جنوب منجم الصخيبرات. وهو منجم سطحى بدأ التشغيل عام 1423هـ/2002م. يُستخرج الخام منخفض التركيز من بلغة ويُرشح في الموقع بواسطة تقنية الترشيح (Heap Leaching) لإنتاج الذهب، فيما تُنقل الخامات الأعلى تركيزًا بواسطة الشاحنات إلى مصنع الصخيبرات لمعالجتها. ينتج منجم بلغة الذهب في شكل سبائك منذ بدء تشغيله، وكان من أوائل المناجم الحديثة التي أنتجت سبائك ذهبية في المملكة منذ عام 2002. يُساهم بلغة اليوم جنبًا إلى جنب مع الصخيبرات في إنتاج ما يقارب 78 ألف أونصة سنويًا كما ذُكر آنفًا.
  • منجم الأمار: يقع في منطقة الرياض إلى الجنوب الغربي من مدينة الرياض، بالقرب من محافظة القويعية. المنجم تحت سطحي بدأ إنتاجه حديثًا نسبيًا في عام 1430هـ/2009م. يختلف الأمار عن المناجم السطحية بكون خاماته غنية بمعادن مصاحبة؛ فعملية المعالجة في الموقع تنتج سبائك ذهب وأيضًا مركزات من النحاس وكبريتيد الزنك، والتي يتم بيعها لاحقًا للتكرير في المصاهر الخارجية. يُعالِج منجم الأمار نحو 200 ألف طن من الخام سنويًا لإنتاج الذهب على هيئة خليط مركز. في عام 2020م بلغ إنتاج الأمار حوالي 31,968 أوقية ذهب. ويُسهم المنجم كذلك في إنتاج كميات من الفضة بحكم طبيعة الخام متعدد المعادن.
  • منجم السوق: يقع شرق محافظة الطائف بمنطقة مكة المكرمة، ويعد أحدث المناجم الكبيرة نسبيًا. اكتُشف وبدأ التشغيل فيه عام 1435هـ/2014م. المنجم سطحي مكشوف يُستخرج منه الخام منخفض التركيز ويُعالَج في الموقع بتقنية الترشيح بالأكوام لإنتاج الذهب. وصل إنتاج منجم السوق في عام 2021م إلى نحو 23,103 أونصات من الذهب، وبلغ حوالي 17,000 أونصة في 2022م. رغم أن منجم السوق أقل إنتاجًا من المناجم الأخرى (حوالي 20-23 ألف أوقية سنويًا)، إلا أنه يُعد إضافة مهمة لقدرات المملكة الإنتاجية ويحتوي على احتياطي يقدّر بحوالي 10 ملايين طن من الخام.

مشروع منصورة ومسرة: إلى جانب المناجم المنتجة المذكورة، تعمل معادن على تطوير مشروع منجمي منصورة ومسرة بمنطقة مكة المكرمة والذي يُعد من أكبر مشاريع الذهب المستقبلية في السعودية. يضم المشروع منجمين منفصلين في منطقتي منصورة ومسرة، ومن المتوقع أن يبلغ متوسط إنتاجهما نحو 250 ألف أوقية ذهب سنويًا عند دخولهما مرحلة الإنتاج الكامل. بدأت عمليات الإنتاج الأولية في المشروع بالربع الرابع من عام 2022م، وأعلنت معادن بدء الإنتاج التجاري لمصنع معالجة الخام في يناير 2024. يتميز هذا المشروع باستخدام تقنيات متطورة مثل تقنية الأوتوكلاف (Autoclave) في المعالجة، وهي تقنية حديثة عالية الكفاءة لاستخلاص الذهب من الخامات المقاومة، ولا تُستخدم إلا في بضعة مواقع عالميًا. من المتوقع أن يُساهم منصورة ومسرة في رفع إنتاج الذهب السعودي بنحو 50% إضافية عند وصوله للطاقة التصميمية.

دور شركة معادن والجهات الحكومية في تطوير قطاع الذهب

لعبت شركة معادن والجهات الحكومية المعنية دورًا جوهريًا في النهوض بتعدين الذهب وصناعة التعدين عمومًا في السعودية. منذ تأسيس معادن عام 1997م كشركة تعدين وطنية، أخذت على عاتقها تشغيل مناجم الذهب القائمة وتطوير أخرى جديدة.

بالفعل، كانت باكورة أعمال معادن هي إعادة تشغيل منجم مهد الذهب عام 1988م ثم التوسع إلى بقية المناجم تباعًا. واليوم تشرف معادن على تشغيل ستة مناجم ذهب منتجة (الدويحي، مهد الذهب، الأمار، بلغة، الصخيبرات، السوق) إلى جانب تطوير مشاريع ذهبية واعدة كمشروع منصورة ومسرة. كما توسعت الشركة في استكشاف المعادن النفيسة والمعادن الأساس الأخرى كالفسفات والألومنيوم والنحاس، مما عزز خبراتها التقنية والمالية لدعم قطاع الذهب.

على الجانب الحكومي، تتولى وزارة الصناعة والثروة المعدنية (ومن قبلها وزارة البترول والثروة المعدنية) مسؤولية تنظيم واستراتيجية قطاع التعدين بما فيه الذهب. فقد قامت الحكومة منذ عقود بتأسيس هيئة المساحة الجيولوجية السعودية وإطلاق برامج للمسح الجيولوجي والتنقيب، مما أثمر عن اكتشاف مئات المواقع المعدنية.. كما تم سنّ أنظمة حديثة لجذب الاستثمارات، كان آخرها نظام الاستثمار التعديني الجديد لعام 2020م والذي يهدف إلى تسهيل إجراءات التراخيص وزيادة الشفافية وحماية البيئة. وأطلقت الوزارة مؤتمرًا دوليًا سنويًا للتعدين في الرياض لجذب كبرى شركات التعدين العالمية واستعراض الفرص المحلية.

ضمن رؤية السعودية 2030، حظي قطاع التعدين بدعم غير مسبوق لتمكينه كرافد أساسي للدخل غير النفطي. وتعمل الوزارة وبرامج الرؤية على تحقيق مستهدفات طموحة، منها رفع مساهمة التعدين بالناتج المحلي وتنمية سلاسل القيمة المضافة للتعدين (مثل إنشاء مصفاة للذهب ومنشآت تصنيع السبائك محليًا).

أيضًا شجعت الحكومة على تأسيس معاهد تدريب متخصصة (مثل المعهد السعودي التقني للتعدين بعرعر بالتعاون مع معادن) لتأهيل الكوادر السعودية للعمل في المناجم ومجالات الجيولوجيا. وبالتعاون بين معادن والجهات التنظيمية، جرى تخصيص 12 موقعًا كمناطق احتياط تعدين لمعدن الذهب سيتم طرحها للاستكشاف أمام الشركات المحلية والعالمية، وفق الدراسات الجيولوجية الحديثة. هذه الجهود التكاملية بين معادن والدولة أسهمت في انطلاقة قوية لإنتاج الذهب السعودي في السنوات الأخيرة.

إحصائيات الإنتاج الذهبي السعودي ومساهمة الذهب في الناتج المحلي

شهد الإنتاج الذهبي السعودي قفزة كبيرة منذ إطلاق رؤية 2030 عام 2016. فبعد أن كان إنتاج المملكة من الذهب نحو 5 أطنان سنويًا قبل الرؤية، ارتفع تدريجيًا ليصل إلى حوالي 12.91 ألف كيلوجرام (12.9 طن) في عام 2018م، بمعدل نمو تراكمي 154% مقارنة بعام 2016.

واستمرت وتيرة النمو خلال الأعوام التالية؛ حيث بلغ إنتاج السعودية من الذهب في عام 2020 حوالي 434,845 أوقية (نحو 13.5 طن) من ستة مناجم نشطة. وفي عام 2022 سجل الإنتاج قرابة 430 ألف أوقية. هذه الأرقام تضع المملكة ضمن أكبر 20 منتج للذهب عالميًا، مع توقعات بمواصلة الارتفاع في ضوء المشاريع الجديدة.

ووفق تصريحات رسمية لوزارة الصناعة، ارتفع إنتاج الذهب السعودي بنحو 30% في أوائل عام 2023 مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق، وهو ما يؤكد التوسع المضطرد للقطاع.

لا تقتصر أهمية تعدين الذهب على أرقام الإنتاج فحسب، بل تتجلى أيضًا في قيمته الاقتصادية ومساهمته في المؤشرات الكلية. يُقدّر احتياطي السعودية من الذهب تحت الأرض بحوالي 323.7 طنًا بقيمة تتجاوز عدة مليارات من الدولارات، ما يعني فرصًا مستقبلية ضخمة عند استغلاله بكفاءة.

وقد بلغت قيمة صادرات المملكة من المعادن (ومنها الذهب) نحو 8.7% من إجمالي الصادرات غير النفطية في 2018، ارتفاعًا من 5.6% في 2010. هذا يدل على تصاعد دور المعادن كعنصر في تنويع الصادرات بعيدًا عن النفط.

بالنسبة إلى مساهمة قطاع الذهب والتعدين في الناتج المحلي الإجمالي (GDP)، فهي في منحى تصاعدي أيضًا. يندرج تعدين الذهب ضمن قطاع التعدين والتحجير (باستثناء النفط والغاز) في حسابات الناتج. وقد قدَّر تقرير لمجلس الأعمال السعودي الأمريكي أن مساهمة قطاع التعدين ككل في الناتج المحلي كانت حوالي 64 مليار ريال في 2018، ويُنتظر أن ترتفع إلى 240 مليار ريال بحلول 2030 – أي نمو بنسبة 275%. ويُشكل التوسع في إنتاج الذهب جزءًا أساسيًا من هذا النمو.

فعلى سبيل المثال، نما إنتاج الذهب والفضة سنويًا بنسبة 11.7% كمعدل مركب خلال الفترة 2010-2018، وهو ما يفوق بكثير معدل نمو العديد من القطاعات غير النفطية الأخرى. ومع وصول مشاريع الذهب الجديدة إلى مرحلة الإنتاج التجاري، يُتوقع أن يعزز الإنتاج الذهبي السعودي مساهمة قطاع التعدين في الناتج المحلي عبر رفع القيمة المضافة وتنشيط صناعات داعمة (كالتكرير والصناعة التحويلية للمعادن الثمينة).

أثر تعدين الذهب على الاقتصاد الوطني ضمن رؤية 2030

يُعد قطاع تعدين الذهب في السعودية أحد المحركات المهمة لتحقيق مستهدفات رؤية المملكة 2030 الرامية لتنويع الاقتصاد وتطوير القطاعات غير النفطية. فقد أكد قادة الرؤية على جعل التعدين – إلى جانب الإنتاج الصناعي والسياحي – ركيزة ثالثة لاقتصاد المملكة. وفي هذا السياق، يحمل ازدهار تعدين الذهب آثارًا إيجابية متعددة على الاقتصاد الوطني:

تنويع مصادر الدخل: يساهم نمو إنتاج الذهب في زيادة الإيرادات غير النفطية من خلال مبيعات الذهب داخليًا وخارجيًا. وبحسب التقديرات، شكلت صادرات المعادن (بما فيها الذهب) المرتبة الثالثة من حيث القيمة في الصادرات السعودية لعام 2018، مما يعني تقليل الاعتماد النسبي على صادرات النفط. وكلما ارتفع الإنتاج الذهبي السعودي زادت حصته في الناتج والصادرات، وهو ما يتماشى مع هدف تنويع قاعدة الاقتصاد.

جذب الاستثمارات الأجنبية والمحلية: إصلاح البيئة التشريعية للتعدين وتطوير الموارد الغنية بالذهب جذب اهتمام شركات تعدين عالمية. فقد منحت وزارة الصناعة والثروة المعدنية مؤخرًا تراخيص تنقيب وتحالفات مع شركات دولية لاستكشاف الذهب ومعادن أخرى. هذه الاستثمارات تصحبها نقل للتقنيات الحديثة وتوفير فرص عمل جديدة. كما أن وجود احتياطيات ذهب كبيرة (أكثر من 320 طن تحت الأرض) يعزز ثقة المستثمرين بإمكانية تحقيق عوائد مجزية في المدى المتوسط والبعيد.

التنمية الإقليمية وخلق الوظائف: غالبًا ما تقع مناجم الذهب في مناطق نائية نسبيًا عن المراكز الحضرية الكبرى (مثل منطقة المدينة المنورة ومكة المكرمة والقصيم وغيرها). أدى تطوير هذه المناجم إلى إنعاش المناطق المحيطة بها اقتصاديًا من خلال إنشاء بنية تحتية (طرق، إمدادات مياه وطاقة) وتوفير فرص عمل للسكان المحليين. على سبيل المثال، يوفر منجم الدويحي مئات الوظائف المباشرة وغير المباشرة، وقد تم تدريب كثير من شباب المنطقة للعمل فيه عبر معهد التعدين في عرعر. وينسحب الأثر نفسه على منجم السوق بمنطقة الطائف الذي يشغّل غالبية كوادره من أبناء المنطقة بعد تدريبهم. إن انتشار مشاريع التعدين وتوظيف السعوديين فيها يحقق تنمية متوازنة بين مناطق المملكة ويساهم في تحقيق مستهدفات الرؤية في خفض البطالة ورفع مساهمة المناطق الأقل نموًا في الاقتصاد الوطني.

تعزيز الاحتياطيات النقدية والمالية: يشكل الذهب أصلًا استراتيجيًا للدول، سواء كمخزون للبنك المركزي أو كمنتج تصديري مربح. ازدياد الإنتاج المحلي يعني إمكانية دعم احتياطيات مؤسسة النقد بالذهب وتقليل الحاجة لاستيراده، كما يعني تحقيق إيرادات حكومية إضافية من خلال الضرائب والإتاوات على مبيعات الذهب. وقد أشارت تقارير إلى أن السعودية تُصنف ضمن أعلى الدول امتلاكًا لاحتياطيات الذهب عالميًا (حيث يحوز البنك المركزي السعودي مئات الأطنان ضمن الاحتياطي النقدي). تعزيز إنتاج الذهب محليًا يوفر فرصة لزيادة هذا المخزون الذهبي الاستراتيجي دون تكاليف استيراد عالية، مما ينعكس إيجابًا على متانة الاقتصاد السعودي المالية.

باختصار، يتكامل نمو قطاع الذهب مع أهداف رؤية 2030 عبر خلق اقتصاد أكثر تنوعًا واستدامة. ومع استمرار الدعم الحكومي وتوسعات معادن، من المتوقع أن يتبوأ التعدين (بما فيه تعدين الذهب) دورًا متقدمًا في المشهد الاقتصادي السعودي في العقد المقبل.

التحديات البيئية والتقنية في قطاع تعدين الذهب

على الرغم من الإنجازات الكبيرة، تواجه صناعة تعدين الذهب في السعودية جملة من التحديات البيئية والتقنية التي تستلزم حلولًا مبتكرة لضمان استدامة القطاع. من أبرز هذه التحديات:

شح الموارد المائية: تعتبر المياه عنصرًا أساسيًا في عمليات تعدين ومعالجة خام الذهب (مثل عمليات الطحن والترشيح واستخلاص المعادن). ونظرًا لموقع معظم المناجم في مناطق صحراوية جافة، يعد توفير المياه بكميات كافية تحديًا كبيرًا. لقد نبه الخبراء إلى أن القطاع يواجه مشكلة نقص المياه في صناعة تحتاج إلى كميات وفيرة منها. وقد تعاملت المملكة مع هذا التحدي عبر حلول مثل استخدام المياه المعالَجة وإعادة تدوير مياه العمليات. المثال الأبرز هو مشروع خط الأنابيب الذي نفذته معادن لنقل المياه المُعالجة من الطائف إلى منجم الدويحي بطول 450 كم، مما وفر مصدرًا مستدامًا للمياه الصناعية دون استنزاف المخزون الجوفي المحلي. كما تطبق المناجم الأخرى أساليب مشابهة كتجهيز محطات لإعادة تدوير مياه الصرف الصناعية وتقليل الفاقد.

الأثر البيئي وإدارة النفايات: تشمل أنشطة تعدين الذهب الحفر والتفجير وسحق الخام ومعالجته كيميائيًا، مما ينتج مخلفات معدنية وصخرية وكيميائية قد تشكل خطرًا على البيئة إذا لم تتم إدارتها بشكل سليم. من التحديات القائمة التخلص الآمن من نفايات التعدين (مثل الصخور العقيمة والطمي الناتج عن المعالجة) ومنع تسرب المواد الكيميائية كالسيانيد المستخدم في الترشيح إلى التربة والمياه الجوفية. لذلك وضعت الحكومة اشتراطات بيئية صارمة ضمن نظام الاستثمار التعديني الجديد تلزم الشركات بمعالجة المخلفات وإعادة تأهيل مواقع المناجم بعد إغلاقها. وتقوم وزارة الصناعة والثروة المعدنية بالتأكيد على إجراءات المحافظة على البيئة والصحة والسلامة المهنية في جميع المشاريع التعدينية الجديدة. ورغم أن تطبيق هذه المعايير يرفع التكاليف التشغيلية على الشركات، إلا أنه ضروري لضمان تطوير مسؤول ومستدام للموارد.

تكاليف التشغيل المرتفعة وتمويل المشاريع: يتطلب إنشاء وتشغيل مناجم الذهب استثمارات ضخمة في البنية التحتية والتقنية وتكاليف تشغيلية عالية. وقد أشار مسؤولو القطاع إلى أن احتياجات التمويل الكبيرة والتكاليف المرتفعة عبر مراحل التعدين المختلفة تمثل تحديًا لا يستهان به. فالمناجم الحديثة تستوجب معدات متقدمة ونظم أمان ومرافق معالجة مكلفة، إلى جانب مصاريف التشغيل من طاقة وعمالة ونقل. وللتغلب على هذا التحدي، تعمل الدولة على تحفيز الاستثمار عبر توفير تمويل ميسر (من خلال صندوق التنمية الصناعية السعودي وغيره) وإشراك القطاع الخاص المحلي والأجنبي في مشاريع مشتركة لتقاسم عبء التمويل. كما تساهم أسعار الذهب العالمية المرتفعة نسبيًا في السنوات الأخيرة في جعل كثير من المشاريع مجدية اقتصاديًا رغم كلفتها الأولية العالية.

التقنيات الحديثة واستخلاص الخامات منخفضة الجودة: تواجه شركات التعدين تحديًا تقنيًا في رفع نسبة الاستخلاص من الخامات ذات التركيز المنخفض أو المعادن المرتبطة بتركيبة جيولوجية معقدة. كثير من رواسب الذهب في الدرع العربي تكون فيها حبيبات الذهب دقيقة ومختلطة بمعادن كبريتيدية، مما يصعّب استخراجها بالطرق التقليدية. لذلك تبنّت معادن وشركاؤها تقنيات متقدمة لحل هذه المعضلة، مثل تقنية الأوتوكلاف (الأكسدة بالضغط) المستخدمة في مشروع منصورة ومسرة والتي ترفع معدلات استخلاص الذهب من الخامات المقاومة. كذلك يتم استخدام أنظمة التحكم الرقمي والذكاء الاصطناعي في بعض المناجم لتحسين كفاءة عمليات الطحن والترشيح وتخفيض استهلاك الكواشف الكيميائية. وعلى صعيد الاستكشاف، باتت التقنيات الحديثة مثل الاستشعار عن بعد والمسح الجيوفيزيائي ثلاثي الأبعاد أدوات أساسية لتحديد امتدادات الخام تحت الأرض بدقة أعلى وبتكلفة أقل، ما يزيد من فرص العثور على موارد جديدة أو تعزيز احتياطيات المناجم القائمة.

في الختام، ورغم هذه التحديات البيئية والتقنية، فإن القطاع مدعوم من قبل حكومة المملكة التي وضعت الأطر التنظيمية والمالية اللازمة لضمان حلول مستدامة. وتبدو شركات التعدين المحلية – وعلى رأسها معادن – ملتزمة بتبني أفضل الممارسات الدولية في السلامة البيئية والتكنولوجيا المتقدمة لتحويل التحديات إلى فرص تطوير تعزز كفاءة وإنتاجية تعدين الذهب السعودي على المدى الطويل.