تُمثّل تجارة الذهب في السعودية ركيزة مهمة في الاقتصاد الوطني، إذ لطالما حظي الذهب بقيمة خاصة في الثقافة السعودية كملاذ آمن للاستثمار وكزينة فاخرة في المناسبات الاجتماعية. يمتد تاريخ الذهب في المنطقة إلى عصور قديمة، حيث كان رمزًا للثراء والقوة عبر الحضارات المتعاقبة.
وفي العصر الحديث، ازدادت أهمية سوق الذهب السعودي مع تنامي النشاط الاقتصادي وارتفاع مستوى المعيشة؛ تشير الدراسات إلى أن حجم سوق المجوهرات السعودي يتجاوز 12 مليار دولار أمريكي (نحو 45 مليار ريال). كما تحتل المملكة مركزًا متقدمًا في الطلب العالمي على الذهب، حيث استحوذت على أكثر من ربع مبيعات الذهب في العالم العربي بنهاية عام 2021، وصُنّفت ضمن أكبر 10 دول عالمياً في شراء الذهب آنذاك.
تعكس هذه الأرقام الدور المحوري لتجارة الذهب في السعودية، سواءً للاستثمار في الذهب كأصل مالي أو للتجارة به عبر شبكة واسعة من الأسواق ومحلات الصاغة في مختلف المدن.
أنواع تجارة الذهب المتاحة في السعودية
تتنوع أنشطة تجارة الذهب في المملكة لتلبي احتياجات شرائح مختلفة من المجتمع، ويمكن تصنيفها إلى ثلاثة أنواع رئيسية: تجارة التجزئة، وتجارة الجملة، والتجارة الرقمية. فيما يلي شرح لكل منها.
1. تجارة الذهب بالتجزئة (محلات الذهب والمجوهرات والأفراد)
تشمل تجارة التجزئة بيع وشراء المشغولات الذهبية والمجوهرات مباشرةً للمستهلك النهائي. تنتشر محلات الذهب في جميع مناطق المملكة، ويُقدّر عددها بحوالي 3000 محل موزعة على المدن الرئيسية، مع تركّز ما يقارب 80% منها في مناطق الرياض ومكة المكرمة والمدينة المنورة.
في أسواق الذهب التقليدية مثل سوق طيبة بالرياض وسوق الكندرة بجدة، تعرض مئات المتاجر تشكيلات واسعة من حُليّ الذهب عيار 21 و22 و18 بتصاميم تناسب مختلف الأذواق. وتعد المشغولات الذهبية جزءًا من الثقافة السعودية، حيث تقتنيها النساء للزينة وفي نفس الوقت كخزينه قيمة للادخار.
يقوم الأفراد بشراء الأطقم والحليّ للزفاف والمناسبات، أو حتى سبائك ذهب صغيرة وليرات ذهبية بهدف الاستثمار الشخصي. ويهتم المستهلكون يوميًا بمتابعة سعر الذهب اليوم في السعودية لمعرفة أسعار الجرام بمختلف العيارات قبل الإقدام على الشراء أو البيع. تجدر الإشارة إلى أن أسعار التجزئة تشمل عادةً تكلفة المصنعية (أجرة الصياغة والتصميم) وهامش ربح التاجر، لذا يكون سعر جرام الذهب بالمحل أعلى قليلًا من سعر الذهب الخام أو سعر الجملة.
ورغم التحديات، ظلت تجارة التجزئة للذهب مزدهرة؛ إذ لم تغلق تلك المتاجر أبوابها حتى في أصعب الظروف، واستطاع العديد من البائعين بناء ثروات وتحويل تجارتهم الصغيرة إلى أعمال كبيرة خلال أعوام قليلة بفضل خبرتهم في أسرار المهنة.
2. تجارة الذهب بالجملة (الموردون والتجار الكبار)
أما تجارة الجملة فتركز على التعاملات الكبيرة وتوريد الذهب بين كبار التجار والمصانع ومحلات التجزئة. تشمل هذه الفئة استيراد السبائك والمشغولات من الأسواق الدولية وإعادة بيعها لتجار التجزئة، وكذلك تصنيع الذهب محليًا وتوزيعه. يوجد في السعودية عدد من الشركات والمصانع البارزة العاملة في مجال تصنيع الذهب وسباكته، ويبلغ عدد المصانع المنتجة لسبائك الذهب والفضة حوالي 6 مصانع بحجم استثمار يتجاوز 7 مليارات ريال.
على سبيل المثال، تُعتبر شركة لازوردي للمجوهرات من روّاد الصناعة محليًا وإقليميًا، حيث تصمم وتنتج آلاف القطع سنويًا وتدير شبكة واسعة من منافذ البيع. تتعاون مصانع الذهب المحلية مع مورّدين لاستيراد الذهب الخام (على هيئة سبائك أو حبيبات) من الخارج، وخاصة من سويسرا وجنوب إفريقيا وغيرها، ثم تقوم بإعادة سبكه وتصنيعه إلى مجوهرات تلائم الذوق المحلي. وتنافس المشغولات السعودية المنتجات المستوردة من حيث الجودة والتصميم. يقوم تجار الجملة الكبار بتوفير كميات الذهب لمحلات الصاغة الصغيرة في مختلف المناطق، إذ يشترون بكميات ضخمة بسعر قريب من سعر السوق العالمية (مع هامش ربح بسيط) ثم يبيعون للتجزئة مع مراعاة رسوم الجمرك والنقل.
كما يندرج ضمن تجارة الجملة بيع السبائك الكبيرة (وزن 100 غرام، 1 كغم فأكثر) للمستثمرين والبنوك. وقد قدّرت لجنة الذهب في غرفة الرياض سابقًا حجم سوق المجوهرات السعودي بحوالي 75 مليار ريال سنويًا، يشمل ذلك نشاط الجملة والتجزئة معًا .مما يدل على ثقل هذا القطاع. من جهة أخرى، يضطلع بعض تجار الجملة بدور صانعي السوق محليًا، حيث يؤثرون على توفر بعض العيارات في الأسواق بحسب سياسات الاستيراد والتسعير التي يتبعونها.
ويُذكر أن السوق السعودية تستورد أيضًا مشغولات ذهبية جاهزة من دول مثل سنغافورة وكوريا الجنوبية وإيطاليا لتلبية الطلب على تصاميم متنوعة.
3. التجارة الرقمية وتداول الذهب عبر المنصات
شهدت السنوات الأخيرة نموًا ملحوظًا في التجارة الرقمية للذهب داخل المملكة، تماشيًا مع التوجه العالمي نحو الاستثمار الإلكتروني. تتيح عدة منصات وبنوك إمكانية تداول الذهب عبر الإنترنت للمستثمرين، دون الحاجة لحيازة المعدن بشكل فعلي. على سبيل المثال، يوفّر بنك الراجحي خدمة شراء وبيع الذهب إلكترونيًا وفق ضوابط الشريعة، مع إمكانية تخزينه لدى البنك بشكل آمن. يشترط البنك حدًا أدنى للشراء (غالبًا ما لا يقل عن 10 غرامات) وأن يكون عمر العميل 18 عامًا فأكثر.
كذلك توفر بنوك أخرى كالأهلي والرياض خدمات حسابات الذهب الاستثمارية والتي تسمح للعميل بشراء سبائك أو حصص من الذهب وبيعها إلكترونيًا عبر تطبيقات الجوال والمنصات الرقمية. إلى جانب البنوك، ظهرت متاجر إلكترونية متخصصة في سبائك الذهب مثل متجر سبائك، كنز الصحراء وغيرها، حيث يستطيع العملاء طلب سبائك وجنيهات ذهبية عيار 24 عبر الإنترنت والدفع الإلكتروني مع خدمة التوصيل إلى باب المنزل. هذه المنصات الرقمية تعتمد أسعارًا مرتبطة مباشرة بأسعار الذهب العالمية وتضيف رسومًا بسيطة للتخزين أو الشحن.
وقد ساهمت التجارة الرقمية في جذب شريحة جديدة من المستثمرين الشباب المعتادين على التكنولوجيا، إذ أصبح بإمكانهم بدء تجارة سبائك الذهب بسهولة عبر ضغطة زر ومن دون المرور بالأساليب التقليدية. كما انتشرت ظاهرة التداول الافتراضي للذهب من خلال عقود الفروقات وصناديق المؤشرات (ETFs) المدرجة في الأسواق المالية، والتي تتيح الاستفادة من تقلبات أسعار الذهب بتحقيق أرباح مضاربية.
هذه الأشكال الحديثة من الاستثمار في الذهب تتطلب خبرة أعلى وفهمًا لحركة الأسواق، لكنها توفر سيولة ومرونة أكبر من امتلاك الذهب المادي. بشكل عام، أسهمت التجارة الإلكترونية في توسيع نطاق سوق الذهب السعودي لتتجاوز الحدود الجغرافية، حيث يمكن للمستثمر المحلي البيع والشراء في أسواق الذهب العالمية لحظيًا، الأمر الذي يعود بالنفع على تنويع قنوات الربح في هذا القطاع.
الجوانب القانونية والتنظيمية لتجارة الذهب في السعودية
تخضع تجارة وصناعة الذهب في المملكة لإشراف حكومي دقيق لضمان نزاهة السوق وحماية المستهلك. هناك عدة جهات تنظيمية وضوابط قانونية يجب على تجار الذهب الالتزام بها، ومن أبرزها:
1. شروط مزاولة مهنة تجارة الذهب والتراخيص اللازمة: تخضع مهنة تجارة الذهب لنظام المعادن الثمينة والأحجار الكريمة الصادر بقرار مجلس الوزراء عام 1403هـ (1983م)، والذي أناط بوزارة التجارة مسؤولية الإشراف على هذا النشاط. تشترط الوزارة على أي شخص أو شركة ترغب في مزاولة نشاط بيع أو تصنيع الذهب الحصول على ترخيص خاص لمزاولة المهنة. يتم إصدار الترخيص إلكترونيًا عبر موقع وزارة التجارة بعد استيفاء الشروط المطلوبة، وأهمها: وجود سجل تجاري سارٍ للنشاط، وتسجيل علامة تجارية خاصة بالتاجر لدى الهيئة السعودية للملكية الفكرية، وتوفير محل مرخص (مع رفع عقد الإيجار أو صك الملكية)، إضافة إلى الحصول على موافقات من البلدية المختصة والجهات الأمنية قبل مباشرة النشاط. كما يجب على التاجر الالتزام بحصول جميع فروعه على التراخيص اللازمة. وتشير إحصاءات وزارة التجارة إلى وجود المئات من سجلات نشاط صناعة وتجارة الذهب صادرة في المملكة (بلغت نحو 846 ترخيصًا لمحلات وورش الذهب على مستوى السعودية قبل سنوات)، مما يدل على انتشار هذا النشاط وخضوعه للمتابعة المستمرة. وبالإضافة إلى ترخيص وزارة التجارة، يتعين على تاجر الذهب التسجيل لدى هيئة الزكاة والضريبة والجمارك للحصول على رقم ضريبي وتحديث وضع المنشأة لأغراض الزكاة وضريبة القيمة المضافة. فمن الناحية الضريبية، تخضع مبيعات المشغولات الذهبية لضريبة القيمة المضافة بنسبة 15% عند بيعها من قبل شخص أو منشأة مسجلة في نظام الضريبة. أما الذهب الاستثمارية (سبائك أو عملات ذهبية) ذات نقاء 99% والقابلة للتداول في سوق السبائك العالمية فتعامل بضريبة صفرية (معفاة)، تشجيعًا للاستثمار في الذهب الخالص. ويُلزم المستوردون والمصدرون بالإفصاح للجمارك عن أي كميات ذهب أو مجوهرات تتجاوز قيمتها 60 ألف ريال عند المنافذ الحدودية، وذلك في إطار مكافحة غسل الأموال وتهريب المعادن الثمينة.
2. معايير الجودة والمواصفات (دمغ الذهب والمعايرة): تلتزم محلات الذهب في السعودية بمعايير صارمة للجودة تحددها الهيئة السعودية للمواصفات والمقاييس والجودة (SASO) ووزارة التجارة. ينبغي على كل قطعة مشغولة من الذهب أن تحمل دمغة (ختمًا) معياريًا يوضح عيار الذهب (مثل 24 أو 22 أو 18 قيراط) ونسبة نقائه، وبلد الصنع أو شعار الصائغ المُصنِّع. تقوم وزارة التجارة بفحص المشغولات محليّة الصنع والمستوردة للتأكد من مطابقتها للعيار والنقاوة المصرّح بها، وتمنع طرح أي منتجات غير مدموغة أو تم التلاعب بها بعد دمغها. وتحدد الوزارة ضوابط دمغ وفحص الذهب في اللوائح التنفيذية للنظام، بما في ذلك اعتماد أشكال معينة لختم المملكة على المصوغات، وتحديد الأصناف المستثناة (مثل الآثار الذهبية القديمة التي يزيد عمرها عن 100 عام). من جهة أخرى، دعت هيئة المواصفات أصحاب محلات الذهب إلى معايرة الموازين سنويًا والتأكد من دقتها وفق نظام المعايرة والمقاييس المعتمد، محذرةً أن عدم الالتزام سيعرّض المخالفين لعقوبات نظامية. وقد توسع البرنامج الوطني للمعايرة القانونية “تقييس” ليشمل التحقق الدوري من الموازين المستخدمة في بيع المعادن الثمينة في عموم المملكة. لذا يُطلب من التجار فحص موازينهم دورياً وختمها بملصق/verifiملصق تقييس الأخضر الذي يدل على دقة الوزن. هذه الإجراءات تضمن التجارة العادلة وحفظ حقوق المستهلك والتاجر معًا.
3. آليات مراقبة السوق ومنع الاحتيال: تكثّف وزارة التجارة جولاتها التفتيشية على أسواق ومحلات الذهب للتحقق من الالتزام بالأنظمة. عند ضبط مخالفات كالغش في العيار أو الوزن أو بيع ذهب دون دمغة نظامية، تُطبق العقوبات المنصوص عليها في النظام. وتشمل العقوبات غرامات مالية قد تصل إلى 400 ألف ريال والسجن لمدة تصل سنتين، أو إحدى هاتين العقوبتين، لكل من يغش أو يخدع في جودة العيار أو الوزن، أو يُحدث تعديلًا على الذهب ومشغولاته بعد دمغها.
وفي حال تكرار المخالفة يمكن تعليق ترخيص محل الذهب لمدة تصل إلى 3 سنوات، وتتضاعف مدة التعليق لمخالفات جسيمة أخرى. إضافة إلى ذلك يتم التشهير بأسماء المخالفين بعد صدور الأحكام النهائية بحقهم لردع الآخرين. وقد ضبطت الجهات الأمنية والجمارك عدة حالات تهريب للذهب عبر المطارات والحدود، منها إحباط محاولة لتهريب نحو 4.6 كيلوجرام من الذهب في مطار الرياض والقبض على المتورطين. مثل هذه الجهود تأتي ضمن إطار حماية السوق من عمليات التهريب وغسل الأموال، وضمان أن القنوات الرسمية المرخصة هي التي تتحكم في تدفقات الذهب بيعًا وشراءً.
كذلك تواجه العمالة غير النظامية في القطاع إجراءات صارمة، حيث تقوم بعض الجهات غير المرخصة بشراء الذهب المستعمل من الزبائن في محيط الأسواق وإعادة بيعه خارج إطار المحلات النظامية. وقد أكدت الجهات المعنية ضرورة استمرار الحملات الأمنية لمكافحة هذه الظواهر حفاظًا على استقرار السوق. بالمجمل، تضمن المنظومة القانونية والتنظيمية في السعودية إطارًا شفّافًا لتجارة الذهب يحفظ حقوق جميع الأطراف ويعزز الثقة في هذا القطاع الحيوي.
4. توطين وظائف سوق الذهب والمجوهرات: ضمن الجهود التنظيمية أيضًا قرار توطين نشاط بيع الذهب والمجوهرات، حيث ألزمت وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية ابتداءً من أواخر عام 2017م أن يكون جميع العاملين في محلات الذهب من المواطنين السعوديين. جاء هذا القرار في سياق برنامج السعودة لخلق الفرص الوظيفية للشباب السعودي في القطاعات المختلفة. وبالفعل ارتفعت نسبة التوطين في قطاع الذهب بشكل ملحوظ مع تطبيق القرار، رغم بعض التحديات المتعلقة بتدريب الكوادر وندرة الخبرة المحلية.
وقد ألزمت الوزارة أصحاب المحلات بدفع رواتب مجزية وتوفير التدريب اللازم للسعوديين المنضمين للمهنة. وجرى إعداد قائمة عقوبات للمخالفين تصل إلى إغلاق المحل في حال عدم الالتزام بتوظيف المواطنين. وقد ساهمت هذه الخطوة في خلق فرص عمل جديدة وفي الوقت نفسه عززت ثقة المستهلك عند رؤية أبناء الوطن يديرون تجارة الذهب التي كانت تاريخيًا يهيمن عليها وافدون. ولا تزال الجهود مستمرة لتأهيل المزيد من الشباب والفتيات للعمل في تصميم المجوهرات وبيعها عبر معاهد متخصصة وبرامج دعم حكومية، تحقيقًا لأهداف رؤية 2030 في تمكين الكفاءات الوطنية.
التحديات التي تواجه تجار الذهب في السعودية
على الرغم من ازدهار سوق الذهب السعودي، إلا أن التجار يواجهون عددًا من التحديات والصعوبات التي قد تؤثر على أعمالهم وأرباحهم. من أبرز هذه التحديات:
- تقلبات الأسعار العالمية: يرتبط سعر الذهب في السوق المحلية بشكل وثيق بسعره في الأسواق العالمية (مثل بورصة نيويورك ولندن)، مما يجعل الأسعار عرضة للتغير المستمر. قد يؤدي ارتفاع سعر الأونصة عالميًا إلى ركود في حركة الشراء المحلية نتيجة ارتفاع ثمن المشغولات، بينما يشجع الانخفاض المفاجئ بعض المستثمرين على الشراء بكثافة. هذه التقلبات (Volatility) تصعّب على التاجر تحديد الوقت المناسب لإعادة تعبئة المخزون أو تصريفه. فعلى سبيل المثال، خلال فترات الأزمات العالمية أو تغيرات أسعار الفائدة، قد يقفز سعر الذهب بشكل كبير خلال فترة قصيرة ثم يهبط فجأة. هذا التذبذب يتطلب من التجار متابعة يومية للأسعار واتخاذ قرارات سريعة في التسعير، كما قد يعرّضهم لخسائر إذا انخفض السعر وهم يحتفظون بمخزون اشترى بكلفة أعلى.
- الرسوم والضرائب والتكاليف التشغيلية: يشكو العديد من تجار الذهب من ارتفاع الرسوم المفروضة على نشاطهم. أبرزها الرسوم الجمركية على واردات المشغولات الذهبية، والتي تبلغ حوالي 5% حاليًا. هذه الرسوم تضاف إلى تكلفة البضاعة المستوردة وتنعكس على سعر البيع النهائي، مما يضعف القدرة التنافسية مقابل المنتجات المعفاة أو المهربة. وقد طالبت دراسات قطاع الذهب بخفض الجمارك إلى 1% فقط لتحفيز الاستيراد الرسمي ومنافسة الأسواق الخليجية.
- أيضًا ضريبة القيمة المضافة (15%) على المشغولات تجعل المجوهرات أغلى للمستهلك (باستثناء السبائك الاستثمارية المعفاة كما ذكرنا). وإلى جانب ذلك، هناك تكاليف تشغيلية كأجور المحلات في المولات والأسواق الشهيرة، ورواتب العمّال السعوديين التي باتت أعلى من السابق بعد السعودة، وكلفة التأمين والتأمينات الاجتماعية، وتحديث أنظمة المراقبة والوزن بحسب الإشتراطات الجديدة. كل هذه العوامل تقلّص هامش ربح التاجر إن لم يتم إدارتها بفعالية.
- التهريب والسوق السوداء: بالرغم من الرقابة الشديدة، يبرز تحدي تهريب الذهب وإدخاله بطرق غير مشروعة لتجنب الجمارك والضرائب. بعض التجار غير النظاميين قد يلجأون إلى تهريب سبائك أو مشغولات من دول مجاورة وبيعها بسعر أقل من سعر السوق المحلي لغياب الرسوم، مما يضر بالمنافسة العادلة. وقد ضبطت حالات متعددة لعمليات تهريب سواء عبر المطارات (إخفاء سبائك في الأمتعة الشخصية) أو عبر المنافذ البرية. يُضعِف التهريب ثقة التجار الملتزمين ويؤدي إلى انتشار مشغولات غير مفحوصة وربما غير مطابقة للعيار. كذلك، توجد سوق موازية لشراء الذهب المستعمل خارج المحلات المرخصة، يقوم عليها عمالة مخالفة يشترون الذهب من الأفراد بأسعار أقل ثم يعيدون بيعه بعد تلميعه دون رقابة. هذا يشكل منافسة غير شرعية للمحال النظامية وقد يؤثر على مبيعاتهم.
- المنافسة الإلكترونية وتغير أنماط التسوق: مع انتشار التجارة الإلكترونية، يواجه بعض تجار التجزئة التقليديين منافسة من منصات إلكترونية تبيع الذهب والمجوهرات. الكثير من العملاء باتوا يقارنون الأسعار عبر الإنترنت، أو يشترون قطعًا من مواقع عالمية ومحلية تصلهم إلى المنزل، مما يقلل من زيارات المتاجر الفعلية. أيضًا، ظهور تجار عبر وسائل التواصل الاجتماعي (مثل إنستغرام) يعرضون تصاميم مخصصة ويبيعون مباشرة للزبائن بأسعار منافسة خلق نوعًا جديدًا من المنافسة. هذا التطور يحتم على تجار الذهب التقليديين تبنّي أساليب تسويق حديثة وتطوير حضور إلكتروني لجذب العملاء الرقميين.
- تذبذب توفر الأيدي العاملة الماهرة: رغم جهود التدريب، لا يزال هناك نقص في الصنّاع المهرة المحليين في مجال صياغة الذهب وتصميم المجوهرات. اعتمد القطاع طويلًا على خبرات الوافدين (من دول مثل الهند ومصر وتركيا) في تشغيل الورش وصقل الأحجار. ومع تقييد الاستقدام واشتراط توظيف السعوديين، واجهت بعض المشاغل صعوبة في إيجاد كوادر مدربة بنفس الكفاءة. هذا يؤثر على قدرة المصانع على تلبية الطلب بتصاميم جديدة وبجودة عالية في الوقت المحدد. كذلك مسألة التستر التجاري (وجود وافدين يديرون أعمالًا بأسماء سعوديين) كانت تحديًا سابقًا قلّت حدّته حاليًا بفضل قوانين مكافحة التستر.
باختصار، يتوجب على تجار الذهب في المملكة الموازنة بين هذه التحديات عبر اتباع أساليب إدارة مخاطر فعّالة. فمثلاً، يمكنهم التحوّط ضد تقلّب الأسعار بتخزين كمية محدودة فقط من المخزون، والمطالبة بتخفيض الرسوم عبر الغرف التجارية، والتعاون مع الجهات الأمنية لمحاربة التهريب، وأخيرًا التحول جزئيًا إلى البيع الإلكتروني لمجاراة التوجه الجديد.
فرص النمو والتوسع في سوق الذهب السعودي
على الرغم من التحديات المذكورة، فإن قطاع تجارة الذهب في السعودية زاخر بفرص كبيرة للنمو والتوسع، مدفوعًا بعوامل اقتصادية واستراتيجية واعدة. فيما يلي أبرز فرص النمو التي يمكن للتجار الاستفادة منها:
- مبادرات رؤية المملكة 2030: تمثل رؤية 2030 خارطة طريق لتعزيز القطاعات غير النفطية في الاقتصاد السعودي، ومنها قطاع التعدين وسوق الذهب. فمن جهة، ركزت الرؤية على تنمية قطاع التعدين ورفع إنتاجية مناجم الذهب المحلية بشكل كبير (إنتاج السعودية من الذهب قفز 143% منذ 2016 حتى 2020 ليصل إلى 12.35 ألف كجم سنويًا)، مما يعني توفر مواد خام ذهبية أكثر للتصنيع المحلي وتقليل الاعتماد على المستورد. هذا يفتح مجالاً لإنشاء مصفاة ذهب متطورة ومجمعات صناعية للذهب يمكن للتجار الاستثمار فيها أو الاستفادة منها. أيضًا تسعى الرؤية إلى تنويع الاقتصاد ودعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة؛ وفي هذا السياق يمكن لتجار الذهب الاستفادة من برامج التمويل الحكومي والتسهيلات المقدمة لرواد الأعمال لتطوير أعمالهم (مثل برامج بنك التنمية الاجتماعية وصندوق التنمية الصناعية الموجهة للحرفيين وورش التصنيع).
- كذلك تنمية السياحة كهدف رئيسي في الرؤية ستزيد أعداد الزوار للمملكة (سواء سياحة دينية أو ترفيهية)، مما يعني زيادة الإقبال على شراء الذهب التذكاري والهدايا من قبل الحجاج والمعتمرين والسياح. تاريخيًا، كان الحجاج يشترون كميات كبيرة من الذهب والمجوهرات من مكة والمدينة، ومع رفع أعداد التأشيرات السياحية سيكون لذلك أثر إيجابي على مبيعات أسواق الذهب. أخيرًا، تهدف الرؤية إلى رفع نسبة المحتوى المحلي في مختلف الصناعات؛ وعليه قد نشهد مبادرات حكومية لتوطين صناعة المجوهرات وإنشاء معاهد تدريب متخصصة في صياغة الذهب، وهذه فرصة للتجار للمساهمة في تدريب وتوظيف مزيد من الكفاءات السعودية مما يعزز استدامة القطاع.
- التوسع في التجارة الإلكترونية والتسويق الرقمي: تشهد المملكة طفرة في مجال التجارة الإلكترونية مدعومة ببنية تحتية تقنية متطورة ونسبة عالية من استخدام الإنترنت بين السكان. هذه البيئة توفر لتجار الذهب فرصة توسيع قنوات البيع عبر إنشاء منصات إلكترونية خاصة بهم أو استخدام المنصات القائمة للوصول لشريحة أوسع من العملاء. على سبيل المثال، إطلاق متجر إلكتروني لعرض تشكيلات المجوهرات مع خدمة التوصيل يمكن أن يجذب العملاء الذين يفضلون التسوق عن بعد.
- كما يمكن للتجار الاستفادة من وسائل التواصل الاجتماعي في تسويق منتجاتهم واستهداف الفئات الشابة بإعلانات موجهة وتصاميم عصرية. العديد من تجار التجزئة التقليديين الذين تبنوا البيع عبر الإنترنت شهدوا نموًا في مبيعاتهم، خاصة في فترات مثل جائحة كورونا عندما ازداد اعتماد المستهلكين على الشراء أونلاين. إضافة إلى ذلك، يوفر التحول الرقمي إمكانية الاستفادة من تقنيات جديدة مثل الواقع المعزز (AR) لتمكين العملاء من تجربة رؤية القطع افتراضيًا، أو استخدام أنظمة الدفع الإلكتروني والتقسيط لجذب المزيد من المشترين. كما أن انتشار شركات الشحن السريع داخل السعودية سهّل تغطية الطلبات الإلكترونية حتى للمناطق التي لا تتوفر بها محلات ذهب كبيرة. بالتالي، من خلال تبنّي استراتيجيات التحول الرقمي، يستطيع تاجر الذهب التقليدي توسيع نطاق سوقه من المحلي إلى الوطني وحتى الخليجي مستقبلاً، مما يرفع المبيعات ويعزز العلامة التجارية في مواجهة المنافسة.
- ارتفاع الطلب من شرائح عملاء جديدة: هناك تغيّر ديموغرافي واجتماعي إيجابي يمكن للتجار استثماره؛ فبالإضافة إلى العملاء التقليديين (المقبلين على الزواج والنساء كبيرات السن المدخرات للذهب)، برز اهتمام متزايد لدى الشباب والسيدات العاملات والمستثمرين الجدد بالذهب. الجيل الشاب الذي ربما كان أكثر ميلاً للإلكترونيات بات يدرك أهمية الذهب كملاذ آمن خاصة مع التوعية المالية المنتشرة مؤخرًا. الكثير من الشباب بدأوا بشراء سبائك ذهب صغيرة أو جنيهات للاستثمار طويل الأجل بدلًا من إيداع مدخراتهم في البنوك فقط. كذلك أصبحت السيدات العاملات أكثر قدرة على اقتناء قطع ذهبية سواء للزينة اليومية أو للاستثمار، خاصة مع تنامي الثقافة المالية التي تشجّعهن على تنويع محافظهن بين ذهب وأصول أخرى.
- كما أن المستثمرين الجدد في السوق – ممن دخلوا عالم الاستثمار عبر الأسهم والعملات الرقمية – وجدوا في الذهب عنصر توازن مهم في محافظهم لحمايتها من التقلبات. هذا الطلب الجديد يفتح فرصة للتجار لتطوير منتجات وخدمات مبتكرة تناسب هذه الشرائح؛ مثل تصميم مشغولات خفيفة عصرية تستهدف الشابات بأسعار معقولة، أو توفير سبائك صغيرة بأوزان نصف أونصة وربع أونصة لتشجيع صغار المستثمرين على الشراء بشكل دوري.
- أيضًا تنظيم ورش عمل ومعارض تعريفية عن الاستثمار في الذهب يمكن أن يستقطب المهتمين الجدد ويحوّلهم إلى عملاء دائمين. يُذكر أن الطلب على الذهب في السعودية ارتفع بشكل لافت بعد جائحة 2020؛ حيث قفز الطلب على المجوهرات الذهبية بنسبة 47% خلال عام 2021 مقارنة بعام 2020 (33.3 طن مقابل 22.7 طن على التوالي)، واستمر الزخم في 2022 ليصل الطلب إلى 37.9 طن وهو الأعلى في أربع سنوات. هذا النمو يؤكد دخول شرائح جديدة للسوق وسعي الكثيرين لتحويل السيولة إلى ذهب في ظل التقلبات الاقتصادية، مما يشكّل فرصة ثمينة للتجار لتلبية هذا النمو في الطلب عبر توسعة أعمالهم.

- الاستفادة من موقع السعودية إقليميًا: تُعد المملكة أكبر سوق للذهب في منطقة الخليج والشرق الأوسط، مما يؤهلها للتحول إلى مركز إقليمي لتجارة الذهب. يمكن للتجار التفكير بتوسيع أعمالهم خارج الحدود من خلال التصدير وإعادة التصدير. فمع توفر مناطق حرة مثل مدينة جبل علي في الإمارات وموقع السعودية الإستراتيجي، بالإمكان استيراد ذهب خام وإعادة تصنيعه محليًا ثم تصديره للأسواق المجاورة. أيضًا مشاريع الربط الخليجي والتكامل الاقتصادي قد تتيح مستقبلاً تخفيف القيود الجمركية بين دول الخليج، مما يسهل فتح فروع إقليمية لتجار الذهب السعوديين في تلك الدول. كذلك سوق المعارض الدولية يشكّل فرصة، حيث يمكن للشركات السعودية المشاركة في معارض المجوهرات العالمية (في أوروبا وآسيا) لعرض التصاميم السعودية المميزة وفتح أسواق جديدة. ولا ننسى أن السعودية لديها احتياطي ذهب ضخم ضمن أصولها (323 طن في البنك المركزي وهو الأول عربيًا)، ورسميًا تهدف لجعل قطاع الذهب والمعادن الثمينة إحدى ركائز اقتصادها. هذا الدعم الرسمي يعني أن التاجر المحلي سيكون أمامه فرص للدخول في شراكات مع صناديق استثمار حكومية أو مستثمرين دوليين مهتمين بسوق الذهب السعودي.
باختصار، الفرص المستقبلية في سوق الذهب بالمملكة واعدة، ويستطيع التجار الذين يتبنّون الابتكار والتطوير الاستفادة من النمو المتوقع. ومن المهم مواكبة التوجهات الحكومية والتكنولوجية والاجتماعية لتحقيق أقصى استفادة من هذه الفرص.
أدوات التحليل والمتابعة لسوق الذهب
يتطلب النجاح في تجارة الذهب في السعودية إلمامًا مستمرًا بأدوات التحليل ومتابعة تطورات السوق لحظيًا. وفيما يلي أهم الأدوات والآليات التي تساعد التجار والمستثمرين على فهم اتجاهات السوق واتخاذ قرارات مدروسة:
- متابعة الأسعار العالمية والمحلية بشكل فوري: يعتبر الاطلاع اليومي على سعر الذهب العالمي (سعر الأونصة) وأسعار السوق المحلية الخطوة الأساسية لكل تاجر. تتوفر العديد من المنصات والتطبيقات التي تعرض أسعار الذهب مباشرةً، مثل مواقع Investing وTradingView التي تقدم رسومًا بيانية لحظية لسعر الأونصة بالدولار، بالإضافة إلى مواقع متخصصة بأسعار الذهب محليًا والتي تقوم بتحديث الأسعار كل دقيقة. يستفيد التاجر أيضًا من استخدام تطبيقات الهواتف الذكية التي ترسل إشعارات حال تغير السعر بنسبة معينة خلال اليوم.
- كما يوفر موقع sa-goldprice.com وقنواته على منصات التواصل تحديثات يومية حول سعر الذهب اليوم في السعودية بمختلف العيارات، مع مقارنة الأسعار باليوم السابق. هذه المصادر تساعد في اتخاذ قرار البيع أو الشراء في الوقت المناسب، فمثلاً إذا رصد التاجر ارتفاعًا سريعًا في سعر الذهب العالمي يمكن أن يسرع بعرض ما لديه قبل أن يرتفع أكثر سعر التكلفة عليه، أو بالعكس الشراء عند انخفاض مؤقت. ولا يقتصر الأمر على معرفة السعر فقط، بل ينبغي متابعة سعر صرف الدولار مقابل الريال أيضًا، لأن أي تغيير في سعر الصرف ينعكس على سعر الذهب المحلي (بحكم تسعير الذهب عالميًا بالدولار). باختصار، جعل شاشة الأسعار أمامك جزء من روتينك اليومي هو إحدى أدوات النجاح في هذا السوق.
- التمييز بين سعر الجملة وسعر التجزئة وفهم هوامش الربح: من الضروري لكل عامل في سوق الذهب أن يفهم الفارق بين سعر الذهب في الجملة (الذي يكون قريبًا من سعر السوق العالمية مضافًا إليه تكاليف طفيفة) وبين سعر الذهب في التجزئة الذي يُباع به للزبون النهائي في محلات الذهب. عادةً يُسمى السعر في المحلات بـ”سعر البيع” بينما السعر الذي يشتري به المحل الذهب من الجمهور يسمى “سعر الشراء”، ويكون الأخير أقل بقليل من الأول. على سبيل المثال، قد تجد سعر بيع جرام الذهب عيار 21 في المحل 200 ريال، بينما سعر الشراء (الذي سيدفعه لك المحل إن بعته أنت لهم) قد يكون 190 ريال. هذا الفارق يُغطي مصنعية القطعة وربح التاجر. أما تاجر الجملة أو المورد، فقد يبيع كميات كبيرة للمحل بسعر أقل بحيث يستطيع المحل إضافة ربحه.
- لذا على التاجر متابعة أسعار السبائك (سواء 100 جرام أو كيلو) التي عادةً تعكس سعر الجملة للذهب الخام. توفر بعض المواقع مثل سبيك وديوان الذهب تحديثات مباشرة لأسعار السبائك محليًا. فهم هذه الفوارق يمكّن التاجر من تسعير منتجاته بشكل تنافسي وواضح للعملاء، كما يساعد المستثمر الفرد عند شراء سبيكة أو جنيه ذهب أن يعرف أنه يدفع قريبًا من سعر السوق ولن يخسر كثيرًا عند إعادة البيع (لأن السبائك معفاة من المصنعية تقريبًا). كذلك ينبغي متابعة فرق السعر بين العيارات المختلفة (24، 22، 21، 18) لأنه يعطي مؤشرًا على الطلب – فغالبًا عند ارتفاع الطلب على عيار معين يتسع فرق السعر بينه وبين العيارات الأخرى.
- استخدام أدوات التنبؤ وتحليل اتجاهات السوق: إلى جانب المتابعة اللحظية، يستفيد التجار من تحليل البيانات التاريخية والتقارير الاقتصادية للتنبؤ باتجاه أسعار الذهب على المدى المتوسط. التحليل الفني (Technical Analysis) هو أحد الأدوات حيث يتم دراسة الرسوم البيانية لسعر الذهب مع مؤشرات مثل متوسطات الحركة ومؤشر القوة النسبية وغيرها لتحديد نقاط الدعم والمقاومة واحتمالات الصعود أو الهبوط. العديد من التجار المحترفين يتابعون تحليلات خبراء الذهب عبر منصات مثل تريدينغ فيو أو Economies وغيرها للاستئناس بتوقعات الأسعار للأيام أو الأسابيع المقبلة. كذلك التحليل الأساسي مهم في سوق الذهب؛ إذ يتابع التاجر الأخبار الاقتصادية العالمية التي تؤثر على سعر المعدن الثمين. على سبيل المثال، ارتفاع التضخم عالميًا أو حدوث ركود اقتصادي يزيدان الإقبال على الذهب كملاذ آمن، بينما رفع أسعار الفائدة في أمريكا قد يؤدي لهبوط مؤقت لسعر الذهب مع اتجاه المستثمرين نحو العوائد البنكية. أيضًا تقلبات أسعار النفط لها ارتباط نفسي بسعر الذهب في المنطقة، فغالبًا ما يعزز ارتفاع أسعار النفط (وزيادة إيرادات الدولة) القوة الشرائية للناس وبالتالي الطلب على الذهب. كما تؤثر المواسم على السوق المحلي؛ إذ يرتفع الطلب في مواسم الأعراس والأعياد ويزداد بيع الذهب المستعمل في أوقات مثل ما بعد الإجازات.
- من الأدوات الأخرى تقارير مجلس الذهب العالمي (WGC) التي تصدر فصليًا وتعرض أرقام العرض والطلب عالمياً وإقليمياً – الاطلاع على هذه التقارير يفيد في معرفة اتجاهات العام (مثلاً تقرير عام 2022 أظهر زيادة مشتريات البنوك المركزية من الذهب لأعلى مستوى منذ عقود، مما دعم الأسعار). أخيرًا لا غنى عن حضور مزادات الذهب ومعارض المجوهرات المحلية للتعرف على توجهات السوق مباشرةً من تجار آخرين وتبادل المعلومات. فهذه المعارض السنوية (مثل معرض صالون المجوهرات في الرياض وجدة) تجمع كبار اللاعبين في الصناعة وتستعرض أحدث التصاميم وتوفر نظرة على ذوق المستهلكين وتوجهاتهم الجديدة.
باستخدام هذه الأدوات مجتمعة – التحليلات الفنية والأساسية، المتابعة اليومية، فهم هيكل التسعير – يكون تاجر الذهب على دراية تامة بالسوق ويمكنه اتخاذ قرارات شراء وبيع وتخزين أكثر حكمة، مما يقلل المخاطر ويزيد من فرص تحقيق أرباح مستمرة.
نصائح للتجار الجدد والمهتمين بدخول سوق الذهب
إن دخول سوق الذهب يتطلب معرفة وخبرة للنجاح وتجنب الخسائر، وفيما يلي نصائح مهمة موجهة للتجار الجدد ورواد الأعمال الراغبين بالاستثمار أو العمل في مجال تجارة الذهب بالمملكة:
- ابدأ بالتعلم واكتساب الخبرة العملية: قبل استثمار مبالغ كبيرة، احرص على فهم أساسيات السوق. اقرأ عن أنواع الذهب وعياراته (مثل الفرق بين عيار 24 و21)، وتعرّف على المصطلحات الدارجة كسعر الأونصة وسعر الإغلاق وغيرها. من المفيد أيضًا اكتساب خبرة ميدانية عبر العمل أو التدريب في محل ذهب لفترة من الزمن، لتتعلم عمليًا أساليب الوزن والحساب والتفاوض مع الزبائن وشراء المستعمل. هذه الخبرة ستمنحك ثقة ومعرفة لا تُقدر بثمن عند انطلاقك كتاجر مستقل.
- ضع خطة عمل واضحة وتخصص في مجال محدد: سوق الذهب متشعب؛ فهناك من يتخصص في المجوهرات الفاخرة، وآخر في السبائك والعملات الذهبية للاستثمار، وغيره في شراء الذهب المستعمل وإعادة صياغته. حدد الشريحة التي تستهدفها وفقًا لرأس المال المتوفر وخبراتك. مثلاً إن كنت تملك رأس مال صغير نسبيًا، قد يكون من الأنسب البدء بالاتجار في السبائك الصغيرة والذهب المستعمل منخفض المخاطر. أما إن كان لديك شريك صائغ ماهر، فيمكنكما فتح ورشة تصنيع ومحل لبيع التصاميم المميزة. كما تشمل الخطة تحديد موقع المحل (سوق شعبية أم مركز تجاري راقٍ)، ووضع ميزانية للتكاليف التشغيلية لعدة أشهر دون توقع ربح فوري.
- تأكّد من الالتزام الكامل بالأنظمة والتراخيص: كما أسلفنا، الحصول على التراخيص اللازمة أمر إلزامي قبل مزاولة النشاط. تقدّم لوزارة التجارة إلكترونيًا للحصول على ترخيص المتاجرة بالمعادن الثمينة، وسجّل في الزكاة والدخل، ولا تنسَ تصريح البلدية لموقع المحل والتقيد باشتراطات الأمن (كوجود كاميرات مراقبة وخزنة آمنة). الالتزام بالأنظمة منذ البداية يجنبك العقوبات والإغلاقات المكلفة. أيضًا احرص على معايرة موازينك لدى مختبرات معتمدة ووضع شهادات المعايرة في المحل بشكل ظاهر لكسب ثقة العملاء. ولا تحاول أبدًا مزاولة أي نشاط غير قانوني كشراء ذهب مهرب أو إخفاء جزء من مبيعاتك تهربًا من الضريبة، فالعقوبات صارمة في هذا المجال.
- كوّن شبكة علاقات موثوقة في السوق: النجاح في تجارة الذهب لا يعتمد فقط على ما تملكه من بضاعة، بل أيضًا على علاقاتك مع الموردين والعملاء. تعرّف على تجار الجملة الثقات وكون معهم علاقات جيدة لضمان حصولك على أجود الأصناف بأسعار عادلة وبأولوية عند شح المعروض. حضور اجتماعات الغرفة التجارية ولجان الذهب يفتح لك أبواب التعرف على كبار التجار المحليين والاستفادة من خبراتهم وربما الدخول في شراكات مفيدة. كذلك ابنِ جسور ثقة مع عملائك من خلال حسن المعاملة والشفافية في البيع (وضح للزبون وزن القطعة وعيارها وفصوصها وقيمة المصنعية بوضوح). العميل الراضي سيكرر الشراء منك وقد يجلب لك زبائن آخرين عبر السمعة الطيبة. ولا تتردد في تقديم خدمات إضافية كتنظيف المجوهرات مجانًا أو الاستشارة حول الاستثمار في الذهب، فهذا يميز متجرك عن غيره.
- احرص على إدارة المخزون والسيولة بفعالية: الذهب أصل ذو قيمة عالية، لذا إدارة مخزونك المالي والمادي أمر حيوي. لا تضع كل سيولتك في نوع واحد من البضاعة؛ نوّع ما بين مشغولات خفيفة سريعة الدوران وسبائك للاستثمار وقطع فاخرة مرتفعة القيمة لكنها ربما أبطأ بيعًا. تابع حركة البيع لتعرف الأصناف الأكثر طلبًا وتزيد مخزونك منها. وفي حال ركود قطعة ما لفترة طويلة، بادر بعرضها بتخفيض أو إعادة تشكيلها إن أمكن لتجنب تجميد رأس المال فيها. احتفظ دائمًا بنسبة سيولة نقدية للتعامل مع تقلبات الأسعار (مثلاً لكي تشتري كمية عند هبوط كبير مفاجئ في السعر). وأعد تقييم مخزونك بشكل دوري حسب الأسعار الجارية لمعرفة وضعك المالي الحقيقي. وتذكّر قاعدة مهمة: لا تحتفظ بمخزون أكبر مما تستطيع حمايته أو تمويله – فالذهب المغري بكمياته قد يسبب خسائر إن لم تتم إدارته بحكمة.
- واكب تصاميم السوق وتوجهات العملاء: عالم المجوهرات يتطور باستمرار، ومن المهم مواكبة الموضة وتفضيلات الزبائن المتغيرة. زر معارض التصميم واطلع على كتالوجات الماركات الشهيرة واستوحي منها لتحديث تشكيلتك. حاوِل توفير مجموعة متنوعة تناسب الأذواق الكلاسيكية والعصرية على حد سواء. مثلاً حاليًا هناك إقبال على المجوهرات الناعمة ذات التصاميم الحديثة بين الشابات، بالإضافة لانتشار الطلب على القطع التراثية (كالأطقم النجدية واليمنية) كهدايا مميزة. إذا لم تلبِّ طلبات العملاء، سيتجهون لمنافسيك؛ لذا اجعل مرونتك فيما تعرضه من أهم نقاط قوتك. يمكن أيضًا التنسيق مع مصممين محليين لابتكار خطوط حليّ حصرية لمتجرك، فهذا يعطيك ميزة تنافسية خاصة.
- ضع خدمة العميل وأمانته أولوية قصوى: في تجارة الذهب، المصداقية هي رأس المال الحقيقي. تأكد من نقاء العيارات وصحة الأوزان في كل عملية بيع، ولا تتهاون في ذلك مطلقًا. زوّد كل فاتورة بيع بتفاصيل واضحة عن القطعة (العيار، الوزن، سعر الجرام، المصنعية) فهذا حق للمشتري. اعرض إمكانية استرجاع أو استبدال المشغولات خلال فترة معينة بحال وجد الزبون أي مشكلة (وفق سياسة واضحة)، فهذا يطمئن العملاء. أيضًا كن أمينًا عند شراء الذهب المستعمل من الأفراد؛ اشرح للعميل طريقة احتساب السعر (وزن القطعة × سعر الشراء للجرام ناقص أي فصوص أو شوائب) حتى لا يشعر أنه ظلم. عندما تبني سمعة أنك “التاجر الصادق” سيقصدك الناس حتى لو كان سعر بيعك أعلى من غيرك ببضعة ريالات، لأنهم يثقون أنك لن تغشهم في العيار أو الوزن. ولا تنسَ الالتزام بمواعيد التسليم إن كنت تصنع قطعًا خاصة للزبائن، واحرص على حفظ مقتنيات العملاء (في حالة التصليح أو التلميع) بأمان وتسليمها في الوقت المتفق عليه.
- خطط للنمو والتوسع بحكمة: أخيرًا، مع اكتسابك الخبرة وازدياد رأس المال، فكّر في طرق تنمية تجارتك. قد تكون الخطوة التالية هي فتح فرع جديد في مدينة أخرى أو توسعة متجرك الحالي أو إضافة قسم جديد (مثلاً قسم للساعات الفاخرة أو الألماس). ادخل أي توسع بعد دراسة للسوق والتكاليف، وتأكد أن لديك من السيولة والكوادر ما يدعم هذا التوسع. لا تتردد أيضًا في استخدام التقنيات الحديثة في الإدارة – كبرامج إدارة المخزون ونقاط البيع – فهي تقلل الأخطاء وتوفر تقارير مفيدة لنمو أعمالك. تذكّر أن سوق الذهب لا يصدأ كما يقال، أي أن الطلب عليه مستمر ومتجدد، لذا فإن التخطيط الصحيح والصبر والاستمرارية ستجعل مشروعك ناجحًا ومزدهرًا على المدى الطويل.
أمثلة واقعية وبيانات حول سوق الذهب السعودي
يشهد سوق الذهب في السعودية قصص نجاح لافتة لشركات وتجار استطاعوا ترسيخ أسماءهم في هذا المجال، مدعومين بأرقام نمو قوية تعكس جاذبية هذا السوق. فيما يلي بعض الأمثلة والبيانات الواقعية التي تسلّط الضوء على ذلك:
شركة لازوردي للمجوهرات:
تعد لازوردي واحدة من أكبر شركات تصنيع المجوهرات في الشرق الأوسط، واسمًا سعوديًا بارزًا نجح في التحوّل من ورشة محلية صغيرة في الثمانينيات إلى شركة مساهمة عامة مدرجة في السوق المالية السعودية. تمتلك لازوردي اليوم مصنعين في الرياض والقاهرة وتنتج ما يزيد عن 5 آلاف تصميم مجوهرات سنويًا، مع شبكة توزيع تشمل أكثر من 1500 منفذ بيع حول العالم. بلغ رأسمال الشركة 430 مليون ريال وقت إدراجها في 2016، ووصلت إيراداتها السنوية إلى حوالي 2.3 مليار ريال في السنوات الأخيرة. هذا النموذج يبرهن كيف يمكن لتاجر ذهب سعودي تبنّي الابتكار والتوسع إقليميًا ليصبح علامة تجارية عالمية. كما أن نجاح لازوردي شجّع شركات أخرى على أن تحذو حذوها في تصميم العلامات التجارية وتطوير قطاع المجوهرات المحلي بدلًا من الاعتماد الكلي على الواردات.
زيادة الطلب المحلي بعد 2020:
على صعيد الأرقام الإجمالية، شهدت السوق السعودية طفرة في الطلب على الذهب خلال الأعوام القليلة الماضية. فبعد تراجع الطلب في عام 2020 إلى حوالي 22.7 طن (نتيجة جائحة كورونا وتأثيرها الاقتصادي)، انتعش بشكل كبير في 2021 مسجلاً نحو 33.3 طن من الذهب في قطاع المجوهرات – أي بزيادة تقارب 47% عن العام السابق – ثم استمر الارتفاع في 2022 ليبلغ 37.9 طن من الذهب في الطلب السنوي، وهو المستوى الأعلى منذ 2018. يُظهر الجدول أدناه حجم الطلب على المجوهرات الذهبية (بالأطنان) في السعودية خلال السنوات الأخيرة:
هذه الأرقام توضح مرونة السوق السعودي وسرعة تعافيه بعد الأزمات، مدفوعًا بعوامل منها ارتفاع أسعار النفط وتحسن دخل الأفراد وزيادة الوعي الاستثماري بأهمية الذهب. كما أنها تعني أن السعودية لا تزال أكبر مستهلك للذهب في العالم العربي، مما يجذب اهتمام الشركات الدولية. على سبيل المثال، أعلنت بعض الشركات الهندية والتركية فتح فروع ومعارض في المملكة للاستفادة من قوة الطلب المحلي.
أسواق ذهب تقليدية ذات صيت ذهبي:
هناك أيضًا أمثلة على أسواق محلية أصبحت علامة فارقة. سوق الذهب في حي الديرة بالرياض وسوق البلدة القديمة في جدة أماكن ذات شهرة تاريخية، حيث تكتظ بعشرات محلات الذهب منذ عقود. على سبيل المثال، يحوي سوق طيبة للذهب بالرياض أكثر من 480 متجر تشمل محلات ذهب ومجوهرات متعددةsa-goldprice.com، ويُعرف بأنه مقصد الباحثين عن الأطقم الفاخرة والمشغولات التقليدية في آن واحد. هذه الأسواق استمرت في النمو وشهدت عمليات تطوير لتوفير بيئة تسوق حديثة مع الحفاظ على طابعها التراثي، مما ضاعف أعداد زوارها من المواطنين والسياح. وقد سجلت مبيعات قياسية في مواسم مختلفة؛ فوفق تقرير لإحدى الصحف، بلغ إجمالي مبيعات الذهب في المنطقة الشرقية 233.6 مليون ريال في أسبوع واحد خلال مهرجان تسوق خاص. مثل هذه الأرقام تؤكد الشعبية المستمرة للأسواق التقليدية وقدرتها على المنافسة حتى في عصر المولات والتجارة الإلكترونية، خاصة عند دمج الأنشطة الترفيهية والترويجية معها.
شركات حديثة في تداول السبائك:
تماشياً مع التوجه نحو الاستثمار، برزت شركات سعودية متخصصة في بيع وشراء سبائك الذهب بشكل احترافي. على سبيل المثال، شركة ديوان الذهب (أسسها رواد أعمال سعوديون عام 2002) التي بدأت بمتجر صغير ثم توسعت لافتتاح فروع جملة وتجزئة في جدة والرياض ودبي لتصبح أحد أكبر مورّدي السبائك في المنطقة. تقدم هذه الشركة خدمات البيع الفوري للسبائك عبر موقعها بأسعار مرتبطة بالبورصة العالمية، مع إمكانية التخزين الآمن لدى الشركة. أيضًا متجر سبائك (sbaik.sa) هو منصة إلكترونية حديثة العهد تعرض سبائك متنوعة من وزن 1 غرام حتى 1 كيلو عيار 24 مع ضمان نقاء 999.9، وقد كسب ثقة آلاف العملاء عبر خدمة التوصيل السريع والتأمين. نجاح هذه النماذج يدل على تنامي فئة “المستثمر الصغير” في الذهب بالسعودية، ووعي الناس بإمكانية اقتناء الذهب كأصل استثماري بسهولة وأمان. كما يدفع بقية التجار التقليديين إلى توفير منتجات مماثلة (مثل تخصيص ركن للسبائك والعملات الذهبية في المحل) لتلبية هذا الطلب.
مبادرات تدريب وصقل المواهب المحلية:
شهدنا أيضًا مبادرات تُحسب للقطاع بالتعاون مع الجهات التعليمية، مثل إطلاق معهد لتعليم صياغة الذهب والمجوهرات في الأحساء برعاية مجموعة من تجار الذهب، يهدف لتدريب الشابات السعوديات على تصميم الحليّ وصناعتها يدويًا. وقد تخرجت بالفعل دفعات من المصممات اللاتي بدأن العمل لدى دور مجوهرات محلية أو أسسن علامات تجارية ناشئة خاصة بهن. هذا التوجه بدعم الكوادر الوطنية سيساهم مستقبلاً في تعزيز مكانة السعودية كمركز تصميم شرق أوسطي، ويخلق تنوعًا أكبر في المنتجات المحلية. بعض المصممات السعوديات مثل نجلاء عبدالقادر وشهد الزهراني أصبحن معروفتين بتقديم تصاميم تمزج التراث بالمعاصرة، ويتم عرض مجموعاتهن في معارض دولية، مما يرفع اسم المملكة في صناعة الذهب والمجوهرات عالميًا.
في الختام، تجمع تجارة الذهب في السعودية بين الأصالة والمعاصرة، وتشهد نموًا مدعومًا بقاعدة ثقافية قوية للذهب في المجتمع وبعوامل اقتصادية مواتية. ومع استمرار جهود التطوير والتنظيم، يُتوقع لسوق الذهب السعودي أن يحافظ على بريقه كوجهة استثمارية وتجارية لا يصدأ لمعانها. سواء كنت مستهلكًا تبحث عن زينة وخزينة، أو مستثمرًا يطمح للأمان المالي، أو تاجرًا يسعى لبناء إمبراطورية صغيرة في عالم الذهب – فإن أرض المملكة تزخر بالفرص وتفتح أبواب النجاح لكل مجتهد في هذا المجال اللامع.